اسماعيل بن محمد القونوي

43

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

لأحد قال في الهداية ولا بأس يبيع بناء مكة ويكره بيع أرضها وهذا عند أبي حنيفة وقالا لا بأس ببيع أرضها أيضا وهو رواية عن أبي حنيفة وفي الفتاوى وعليه الفتوى ثم قال في الهداية ويكره أجرتها أيضا . قوله : ( ومع ضعفه ) وجه الضعف أن الظاهر أن المراد بالمسجد الحرام البيت نفسه والعاكف يجيء بمعنى الملازم وهو المراد هنا لا لإقامة يدل على كون هذا مراد المص قوله وقد أوله الحنفية وعلم منه أنه والشافعي لم يأوله وجه الضعف التأويل المذكور ولا يخفى ما فيه وما عليه إذ التأويل المذكور مؤيد بالأحاديث الصحيحة منها ما روي أن رسول اللّه عليه السّلام قال إن مكة حرام لا يباع رباعها ولا تورث وروي عنه عليه السّلام : « من آجر أرض مكة فكأنما أكل الربا » « 1 » ومع هذا التأييد لا يناسب التضعيف . قوله : وهو مع ضعفه معارض بقوله تعالى : الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [ الحج : 40 ] أي قوله سواء وإنما ضعفه لأن المختار عند الشافعي في معنى سواء العاكف فيه والبادي هو التسوية في تعظيمة وقضاء النسك به لا التسوية في النزول فيه الموهمة كونه وقفا على النازلين فيه وضعف هذا القول عنده بسبب ضعف سنده ومعارضته قوله تعالى : الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [ الحج : 40 ] له من حيث إن إضافة الديار إلى أهل مكة تفيد معنى التمليك المنافي للوقفية وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم فتح مكة من دخل دار أبي سفيان فهو أمن فنسب الدار إليه نسبة ملك واشترى عمر رضي اللّه عنه دار السجن بمكة بأربعة آلاف درهم فدل هذا على جواز بيعها وقد استشهد بهذه الآية أئمة الحنفية رحمهم اللّه على امتناع جواز بيع دور مكة قال الإمام الرازي رحمه اللّه وفي المسألة قولان أحدهما أن أرض مكة لا تملك وأنها لو ملكت لم يستوفها العاكف والبادي فلما استويا علم أن سبيلها سبيل المساجد فعلى هذا المراد بالمسجد الحرام الحرم كله كما يدل عليه قوله تعالى : مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [ الإسراء : 1 ] وقوله : الْعاكِفُ فِيهِ [ الحج : 25 ] لأنه المقيم وإقامته لا تكون في المسجد بل في المنازل وهذا قول ابن عباس في بعض الروايات وابن عمر وسعد بن جبير وعمر بن عبد العزيز ومذهب أبي حنيفة رحمه اللّه في إحدى الروايتين ومذهب هؤلاء أن كراء دور مكة وبيعها حرام وثانيهما أنها تملك والمراد بقوله : سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ [ الحج : 25 ] والباد الاستواء في العبادة أي ليس للمقيم أن يمنع البادي من العبادة فيه وبالعكس وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئا فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار » وهذا قول الحسن ومجاهد والشافعي ورواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهم اللّه وقال الزجاج سواء في تفصيله وإقامة المناسك العاكف بالحرم والبادي إليه وقال محيي السنة ومعنى التسوية هو التسوية في تعظيم الكعبة وفي فضل الصلاة في المسجد الحرام والطواف فيه وقال العلامة في الكشاف وقد جاور إسحاق بن راهويه فاحتج بقوله : الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [ الحج : 40 ] وقال أنسب الديار إلى مالكها أو غير مالكها واشترى عمر بن الخطاب دار السجن من مالكها أو غير مالكها أي جاور الإمام الشافعي إسحاق بن راهويه في جامع الأصول هو أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم التميمي الحنظلي

--> ( 1 ) كذا في الحاشية السعدية .